المسلم بين ضعف الوطن و استضعاف الأقليّة
كتبهاد. عمر عصفور ، في 28 نيسان 2007 الساعة: 09:11 ص
ربما كان ما لا يعرفه بعض من يقرأ هذه الصفحة ، أني أعيش في مدينة أمريكية مذ ما يقارب شهورا ستة ، أعيش و لا أحيا ، فلا حياة بعيدا عن أرضي .. و لأنّ مقامي ، و ليس سكني ، قريب من حرم جامعيّ فإنّ فيه خليطا من أجناس عديدة من البشر ، و ذلك شيء يؤنس كثيرَ تأملٌ مثلي .. وأيّا كان فذلك كُلّه لا أهمية له ، و لا شأن له بكتابة ما سأكتب ..
اليوم – يوم كتابة الكلمات ، لا قراءتها - و بعد صلاة الجُمعة ، خرج أحدُ الطُلاب ليقرأ على مسامعنا إعلانا ، وكُنت قد تعوّدت من الطلبة على سماع إعلانٍ لحفل عشاء ، أو رُبّما إعلانٍ لدرس تجويد ، أو تفسيرِ سورة الفاتحة ! لكنّ وجه المُعلن كان مُختلفا ، و لكنته كذلك .. لم أسمع الإعلان بوضوح ، غير أنّ ما وصلني كان كافيا ليثير فضولي مع ما تُقبلُ عليه الجمهورية التُركية من حدث يبدو مفصليّا في تاريخها الحديث .. فقد كان الطالب يتحدّث نيابة عن جمعية للطلاب الأتراك ، و يدعو الحاضرين لحضور فلم وثائقي .. و لم أسمع مما بقي إلا بضع كلمات لم تكن كافية لإتمام العنوان ..
عُدت باحثا في صفحات الإنترنت عن مكان العرض ، و مُستفسرا عن موضوعه ، وكُنتُ أمنّي النفس بشيء يتحدّث عمّا تمُرّ به تُركيّا في هذا الظرف ، سواء كان من وجهة نظر العلمانيين أو غيرهم ، لكنّي وجدت العنوان بعيدا عمّا أشتهي ! و مع أنّه كان كذلك ، إلا أنّه كان أهمّ مما أودّ سماعه ، على الأقلّ بالنسبة للأتراك !
الفلم الوثائقي يتحدّث عن مجازر الأرمن ، و يُوضّح حقيقة تلك المزاعم ، فيما يبدو أنّه دراسة منهجية تاريخية موثقة ! و إن كان العنوان كفيلا بإطفاء فضولي ، فإنّه أشعل في النفس شجونا ، و لا أنكر ، فقد أثار هذا النشاط إعجابي ..
تلك المزاعم الأرمنية ، و تلك القضية ، من أهمّ القضايا التي يواجه بها العالم الغربيّ الدولة التُركيّة ، و مثار إعحابي كان اهتمام الطلبة الأتراك بقضيتهم الوطنية ، و سعيهم لتوضيحها للمُجتمع الغربيّ بجرأة و قوة و نشاط ، ذلك المجتمع الذي يتلقّى المعلومات عادة من مصدر واحد ، ينقلها بالطريقة التي يريد ، من الزاوية التي يرى ، و التي تخدم مصالحه فقط !
عاد بي ذلك العنوان لمشهد في الجوار لمبنىً صهيوني يهودي ، كُلّما مررت أمام هذا المبنى شدّتني شاشة عرض كبيرة ، يرفرف فيها علم الدولة الصهيونية ، و يدعو بشكل دائم لدعم الدولة الصهيونية ! المشهدُ كُلّما مرّ بي يُغيظني ، لأنّي أدرك الحقيقة كما لا يُدركها أحد من المشاهدين ، و لأنّي أمثّل الطرفَ الآخر من القضيّة ذاتها .. لكنّ كُلّ الغيظ لم يكن ليوقف احترامي كُلّ صاحب قضية يؤمن بها و يسعى جاهدا توضيحا لها و دفاعا عنها .. بغض النظر عن موقفنا من قضيته ، مهما كانت ظالمة أو تافهة ! و قد أعجبني دعمهم قضيّتهم ، على بُغضي لهم !
و رُبّما عاد بي كُلّ ذلك لمكتبة دخلتها يوما ، تجوّلت في أنحائها حتى وصلت رُكن الكُتُب الدينية ، و قد شاهدتُ من بعيد عنوانا كبيرا كُتب عليه " الإسلام و التصوّف " هرولت لتلك الزاوية و كُلّي فضول لمشاهدة ما كُتب فيها عن الإسلام ، لم أكن أرقب خيرا .. لكن ما وجدته كان أسوأ كثيرا مما ظننت ! بضع كُتيبات تتحدّث عن أشياء تُشبه الإسلام ، رُبّما راق لي أحدها لكنّه لا يفي ولا يكفي .. واصلتُ رحلتي بين الرفوف ، و لن أقارن ما وجدته مكتوبا عن الإسلام بما كان مكتوبا عن اليهودية ، لكنّي إن قُلتُ أن ما يتحدّث عن البوذية يعادل خمسة أضعاف ما يتحدّث عن " الإسلام و التصوّف " لربّما كُنت مُخطئ التقدير !
عُدتُ لأفكاري .. لذلك العنوان الأرمنيّ ، و ذلك العلم الصهيوني ، و تلك المكتبة التي تبيع كُلّ ما يُنشر ، فهي ليست مكانا لحرب فكرية أو هي تابعة لمؤسسة ثقافية ، و كُلّ أولائك الأقوام أصحاب القضايا التي لا ييأسون الدفاع عنها ، و لا يجبنون و لا يضعفون ، و لا يعتذرون بضغوط أو مخاطر أو تهديدات .. و في حين يُرفرف علم الصهاينة بمكان لا يبعُدُ عن المركز الإسلاميّ كثيرا .. نجدُ المُسلمين لا يتحدّثون عن أيّ من القضايا التي تخصُّهم ، على الأقل في المجتمع الجامعي لجامعة يُفترض فيها أنّها من الجامعات الكبيرة و الهامّة أميريكيا ، فلا من يتحدّثُ و لا من يكتُبُ – من المُسلمين – عن العراق ، أو عن فلسطين ! أو عمّا يُشوّه به تاريخنا و يُعتدى فيه على ثقافتنا و حضارتنا ! و رُبّما كان بعضُ غير المُسلمين أكثر اهتماما من المسلمين بتلك القضايا !
تجولُ رفوف مكتبة طولا و عرضا فلا تجدُ كتابا واحدا لكاتب مُسلم يُناقش فيه ما يكتُبُ غير المسلمين عن الإسلام ، خالطين الحسن بالقبيح و الصحيح بالخاطئ ! و لا يعرض أيّا من قضايا أمته ، و لا حتى قومه و بالأخص ما كان يتعلّقُ بالعرب ! و على الرغم من أنّ المُسلمين أصحاب حقوق مسلوبة ، و يُعتدى عليها فكريا و ثقافيا و إعلاميا ، تجدهم يتردّدون و يخافون طرحها و بيانها ، و يخشون تهجيرهم عائدين إلى أوطانهم ، و يتمسّكون – كأقليّة – بأطراف الإسلام ، يهابون الحديث بقوة و بوضوح و بجرأة عن حقوقهم ، أو حتى عن أبسط تعاليم دينهم .. و بعد ذلك يتحدّثون و يصُفّون السطور فخرا و إعجابا بإنجازاتهم في المُجتمع الأمريكي !
إنجازاتهم قد تكون بناء مدرسة بالكاد تقبل أبناء المُسلمين لأن تكاليف الدراسة فيها تفوق قدرة معظمهم ، و تُفلس بعد حين من بنائها ، و قد تكون صلاة العيد إنجازا ، و رُبّما مُحاضرة عن أهميّة التربية الإسلامية للأبناء ، أو حفل عشاء أو رحلة تخييم ! و يبدؤون بزخرفة الإنجازات ، حتى يشعروا بالرضى و الاكتفاء الذاتيّ ، و كنتيجة طبيعية يبدأ الحديث عن أهمية " هجرة " المُسلمين من أوطانهم إلى الولايات المُتّحده ، و عن الخدمات الجليلة التي تُقدّمها الأقليّة المُسلمة في أمريكا لقضايا المُسلمين ، فهم قريبا و بعد كل هذه الانجازات الموهومة سيُصبحون قوّة مؤثرة في صنع القرار الأمريكي ! و كأنّ نصر أمّة الإسلام سيولد في أمريكا !
أنا لا أنكر جهود الأقليات المسلمة في الولايات المتحدة – و لا نقول أقلية واحدة لأن لهم من المرجعيات ما يفوق عدد أعضاء جامعة الدول العربية – فلهم من الجهود ما قد يكون ذو فائدة في حفظ بعض من تعاليم الإسلام ، أو حفظ بعض من أخلاق أبناء المُسلمين ، و رُبّما بعض التذكير ، و بعضُ المُسلمين الجُدُد ، و كُلّ ذلك مشهود مشكور ! أمّا ما أنكره حقّا هو تلك الأوهام التي يخلقونها حولهم من عظمة إنجازاتهم و قدرتها و سيطرتها ، بدل أن تُعطى قدرها الحقيقيّ و يطمحوا للارتقاء بها أو يكون لهم رؤية بعيدة المدى و يسيرون عليها رُقـيّاً ، و أنكر أيضا ما يُرَوّجُون له من أهميّة توافد المُسلمين للولايات المتحدة ، بدعوى أن الإسلام غير مُرتهن بمكان - و أظُنّها دعوى حقٍّ جُعلت في غير مكانها - و أنّ الفرصة لخدمة الإسلام في الأرض الأمريكية أكبر و أثمن ! و لا أرى في ذلك إلا مُبرّرات أوجدوها لأنفُسهم ، فيقتلوا بقيّةً من تأنيب ضمير على تركهم مجتمعاتهم طمعا في عيش رغيد غرباً ، لم يجدوه غالبا ، أو على هجرهم أهلهم و أوطانهم هربا من مسؤوليات تجاههم لم يحملوها ! فإن كان أحدهم مُضطرا لهجر وطنه ، فليهجره ، لا بأس ، لكن فليصدُق نفسه و يصارحها ، و ليدع الإسلام و شأنه فلا يخلق لذاته المبررات و يُحمّل الإسلام وزره و الآثام !
كنت قديما أحمل بذور فكرة ، صارت لديّ الآن قناعة راسخة .. أنّ الإسلام لن يُعزّ إلا من أرض الإسلام ! من أرضٍ أهلها مُسلمون ، نشؤوا و تربّوا و كبروا على الإسلام ، و تنفّسوه مع الأذان كُلّ يوم خمس مرّات – و كم أفتقد سماع أذان حيٍّ يُطهّرُ الأجواء ، فإنّ عُزّ الإسلام في أرضه ، سيُعزّ المُسلمون أينما حلّوا .. و سيحملون قضاياهم بجرأة و قوة ، و يجهرون بها ، لا يخافون في الحقّ لومة لائم .. فكُلّ تلك " الأقليّاتُ " التي تحمل قضاياها بجرأة أينما حلّت تستند في الواقع لبلد أمّ قويّ ! و عندما يستندُ المُسلمون لبلد مُسلم قويٍّ ، سيدافعون عن قضاياهم دون جُبن و خوف ، و كفانا وهماً و غُشّا لأنفسنا ، فلن يُعزّ الإسلام أبدا من مكان المُسلمون فيه أقليّة ، و أرض ليست أرضهم و ديار ليست ديارهم ، فالأقليّة - أيّا كانت و أينما كانت - رديفٌ للذُلّ و الهوان و الاستضعاف ، و لو كان عزُّ الإسلام بهكذا حال ، لعُزّ الإسلام و المُسلمون أقلية مستضعفة في مكّة ، و لَمَا هاجر الرسول صلى الله عليه و سلم إلى المدينة المُنوّرة ، إلى أرضٍ غدا مُعظم أهلها مُسلمون ! فأقام فيهم بعد هجرته دولة الإسلام ، و التي أعزّت الإسلام بعد ذلك في كُلّ مكان !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تعليقات | السمات:تعليقات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 30th, 2007 at 30 أبريل 2007 2:44 ص
دكتور عمر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مقال اكثر من رائع..
لن يعز الغسلام إلا بإذن الله ثم بدولة قوية تحتويه وتحتميه وتكون مستعدة لأن يكون دينها هو شريعتها وحياتها ومماتها لله..إنها القضية التى يجب أن نحملها جميعاً لكى يجد الإسلام متنفساً نقياً لإكمال رحلته..
شكراً لك
أبريل 30th, 2007 at 30 أبريل 2007 3:41 ص
حبيبتي فتاة ليل.
دارت فوق جسدها حروب وحروب
واختلف باتجاه شفتيها الشمال والجنوب
واغمضت في عينيها شمس الغروب
حبيبتي فتاة طروب
حبيبتي فتاة ليل
مايو 1st, 2007 at 1 مايو 2007 5:22 ص
أختي الدكتورة حنان ..
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته ،
جزاك الله خيرا .. و جعلنا الله جميعا من عباده الصالحين الذين يصلحون لحمل هذه الأمانة ..
دمت بخير
مايو 2nd, 2007 at 2 مايو 2007 2:12 م
صباح الورد والفل واحييك على قدرتك لفهم الامور بصورة صائبة ولكني احب الموضوعية
مايو 14th, 2007 at 14 مايو 2007 12:06 ص
اخى الفاضل
موضوع رائع استمرار لتشريح الواقع الذى نحياه والمصراحة والمكاشفة التى نحن فى حاجة اليها
ان الدولة الاسلامية الاولى خرجت من ارض العرب ولم تخرج من ارض الغرب
ان الحضارة الاسلامية خرجت من هنا و انارت ما فتحه العرب من بلاد كما حدث فى الاندلس
اما بخصوص اليهود او الصهاينة وشاشة العرض تلك فالاعجب هم متواجدون فى كل دول العالمويشتغلون بجد ونشاط لاجتذاب الاخرين برغم انهم دولة واحدة ولها سفارة واحدة فما بالك 22ولا معرفش 23 دولة ب23 سفارة ولا يحث بهم احد مثلا فى امريكا الجنوبية او افريقيا التى كل علاقتنا بها البطولة الافريقية فى مختلف الالعاب
فاكر لاعب غانا فى كاس العالم عندما رفع علم اسرائيل ليه عمل كدة
علشان اسرائيل او واحد اسرائيلى عامل لهم مراكز تدريب للناشئين فهو يتاجر بهم وهم يستفيدوا شفت المنفعة وطظ فى العرب
كفاية كدة احسن هتعب
الى لقاء وارجوك الانضمام الى منتدى البيومى على العنوان التالى
http://elbayomy.arabhood.com