دكان الأمل

كتبها د. عمر عصفور ، في 7 نيسان 2009 الساعة: 16:02 م

      في مكان ما من سوق منسيّة يوجد زِقاق .. ضيق ، معتم ، مهجور .. عتيقٌ كالسوق أو أقدم .. سماؤه باهتة ، أرضه متهدمة مائجة ، غايته لا تكاد تراها الشمس ، يمكث فيها ما كان حيناً من الدهردكاناًيروي حكاية ما كان يوماً سوقاً ينبض و يعرق و ينزف ..

 على باب الدكان كُرسيٌّ من خشب يئنّ ، يحاول حملَ شيخٍ مُسنٍّ يُقرأ التاريخ في وجهه ، ما بقي من شعر رأسه طويل أبيض أشعث ، وجهه حائر القسمات ، تحتل تجاعيده شعيرات ثائرة ، شفتاه متحجرتان كأن لم تتحركا من دهور ، حاجباه أبيضان كثيفان متساقطان يحاولان حجب الأفق عن عينيه ..  
الباب حائرٌ كحارسه ، لا شيء يدلّه أو يدلّ عليه ، لا يشدّ ، لا يغري ، لا يجذب .. صَدِئُ المفاصل و الأقفال و الزوايا ، تستوطن أسفله ذرّات غبار تبعثرها النسمات كلما شاءت ، فترحل لتعود فتختبئ تحته ..و العجوز بجواره يمضي الساعات ساكناً ، كأنّ الحياة فارقته منذ قرن أو يزيد ..
القلب معتمٌ كاحتراق فحمة ، لامعٌ كانطفاء نجمة ، تائه كغرق سمكة .. قلبُ الدكان خاوٍ كعرش طاغية .. قلبُ الدُكّان فارغٌ إلا من بقايا زجاج تزيّن غبار أرضه ، و كسراتٍ من أحلامٍ مُعَلّقة أنارت حيناً من الدهرِ سقفه ، و نُدبٍ تملأ جدرانه تروي جروحاً نزفت ، و أحشاءٍ ممزقة لطالما أخفت كثيرَ أسرار ..
على يمين الدكّان يرقد مقهىً مكفّن بزجاج مهشّم و خشب محطّم ، معطّرٌ بعبيرِ قهوة  ، و على شماله كانت مكتبة ، لم تُدفن و إنّما حرقت و أُهدي رمادها للريح ، بَقيت رائحة الورق ، أمامهم مُصلّى مهجور و حولهم دكاكين ميتة .. أصواتٌ تنبعث من ماضٍ سحيق .. ضوضاءُ متناغمة أو صدى أصواتهم ، أولائك الذين مرّوا من هنا و خلّفوا وراءهم العجوز و الدكّان ؛ رسولين ملعونين من سوقٍ منسيةٍ لمستقبلٍ جاحد بكلّ أفضال ماضيه ..هل نُسي السوق تماماً ؟
شابٌّ أطلّ يدفع ظلّه أمامه ، طويلا ممتدا يفترش الأرض .. توقف لحظة ، تردد ، تلفّت خلفه عدّة مرات .. سار متباطئاً إلى الأمام .. متثاقلا .. قدماه تزحفان ، ساقاه متحافّتان ، ركبتاه متنافرتان .. يسير ذابلا ، يكاد رأسه يسقط عنه .. ذراعاه متعانقان على صدره ، متقاطعان كمن يذيب الثلج عن قلب .. عيناه جازعتان ، شفتاه متذبذبتان .. تابع تقدّمه ملتفتاً خلفه ، حاملاً وجه هارب ، سائراً سير هالك ، حتى وصل ، و بقلق وقف أمام العجوز الساكن ..
كان خريفاً ، بردٌ ماكرٌ تسلّل فَلَسَعهما ، عينا العجوز متحجرتان ، لا تنطقان .. ذبابة حطّت على وجهه ، داست شفتيه ، تسلّقت أنفه ، طارت .. و الشاب يراقب بخوف .. ظلّه أمامه ذاب في باب الدكّان ، بقي واقفاً لوقتٍ لم يحسبه ، ثم نطق بتردّد و صوت لا يكاد يُسمع أو يُرى : داوِني ..
لم يلق جواباً ، لم يسمع صوتاً ، زاد خوفه ، زاد يأسه .. هبّ نسيمٌ كاد يقتلع قلبه المضطرب ، تطاير الغبار ، سمع أنين المعدن و الخشب المتناثر حوله .. هدأ و مدّ يده لكتف الشيخ ، وكزه .. تحركّت عينا العجوز و التقت العيون ..
أعاد أمره بنبرة رجاء : داوني ..
 تشقّقت شفتا العجوز لتنبت فيهما بسمة .. عيناه اخترقتا قلب الشاب ، نظرته فاحصة ثاقبة .. تأمَّله ، و أطال التأمّل صامتاً ..
طال التأمّل فهبط الشابّ على ركبتيه ، هبط ضعفاً ، أو سقط وهناً .. قال بلسانٍ متعثّر : أرجوك داوِني ، أو اقتلني .. افعل شيئاً ، أو قل رأياً .. أتيت من بعيد .. قيل لي ستجدُ دواءك هناك ..
صمت الشابّ ، ملأ رئتيه بِـهواء ، واصلَ كلامَه : رُميت في محرقة .. نعم محرقة ، هذه الحياة محرقة كبيرة ، سدّت أبوابها ، حُبِستُ فيها .. تحرق في كل اتجاهاتها و غاياتها و نهاياتها .. تقتل من كُلّ زواياها .. تخنق ..
نمت البسمةُ على شفتي العجوز كلمة .. قال وقد بُعثت فيه الحياة كزلزالٍ أرعن ، صوته بركانٌ انفجر وسط مُحيط ، سؤالُه جبلُ قهر و جليد ، و أكوامُ حيتانٍ هالكة : ما بك ؟

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ورق متساقط

كتبها د. عمر عصفور ، في 3 آذار 2009 الساعة: 19:15 م

لا يهم أين أنا الآن ، فبعيداً الأمكنة كُلّها متشابهة ، الأرض واحدة ، و إن اختلفت في سمائها أو مائها ، أو أولائك العابرين عليها .. الأمكنة كُلّها متشابهة ، و إن اختلفت القلوب التي دُفنت يوماً فيها فصارت اليوم ترابها ، فالأرض واحدة ، و الأمكنة متشابهة في بنائها و إن اختلفت معانيها ..

لا تهمّ اللحظة التي أمرّ فيها الآن ، أو تلك التي مررت فيها عند أول حرف لوّثت به طهر الورقة البيضاء ، أو التي سأمرّ فيها عندما أخطّ آخر حرف ، فالزمن متشابهة دقائقه ، متساويةٌ ساعاته ، أنين دقّاتها واحد ، و جريان ثوانيها ثابت ، فالزمن متشابه و إن اختلف ما ندُسّه فيه من افعال !

الآن ، بعيداً ، لا يهمّ الزمان أو المكان ، فالليل بارد كَصَمت ، مُعتمٌ كقلب و يشفّ عن قمرٍ مكتملٍ يحتضر .. الأشجار تتخلّى عن أوراقها ، ترميها ، متراكمة تلك الأوراق على ممرٍّ مرصوف يردّ علي خطاي ، أدوسه بقدمي فيعيدها و يدفعني ، و كأنّ هذه الأرض ترفضني .. أو م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عندما نبتت أنامل ..

كتبها د. عمر عصفور ، في 24 شباط 2009 الساعة: 05:12 ص

زمنٌ بعيد مُذ أردت اختبار الموت ، كتمت الأنفاس و قطعت الأنامل .. قتلت الأقلام و جففت كلّ ينابيع الأحلام ، حرّقتُ كُلّ ما تبقى من أوراق طاهرة .. انتصرتُ على الذات .. شنقتها ، تفوّقتُ على الكتابة و شهوة الحياة .. و تابعتُ العيش مزهوّاً بتمام الانتحار !

انقضى زمنٌ  و أتى آخرُ أقلّ بعداً .. فاجأني .. تبرعمت فيه أطراف ، و نبتت أنامل .. صخور الروح تشققت عن ملامحُ حلم ، و في المدى المظلم لاحت بقعة بياض .. و بإرادة مُنتحر كافحتُ الحياة ..

قلمٌ حينها جاءني يُنقّب في صحراء القلب عن أثر ، قلّب عليّ قفاري و أقلق مبيت أطلالي .. اقترب من آثاري و أمسك بالأنامل الغضّة ، التفّ حولها و اقتلعني من نشوة انتحاري ..

قال لي القلمُ : اكتب ..

نظرت إليه نظرة أبله .. لم أقل شيئاً .. فقد نسي لساني رقصاته ..

قال : اكتب ..

قلتُ له بلسانٍ أثقله المكوث : لا ..

قال بأسىً أو ازدراء : اكتُب ..

أغمضت عينيّ أحاربُ الشمس بجفنين .. صمتّ ، صحوت ، أجبت : كيف ؟

صمتَ رفضاً ..

قلتُ : و لماذا ؟

لم يُعقّب ..

ظننته استسلم .. أردت إضافة انتصار أخيرٍ قبل عودة لساني لرقوده : ماذا بقي من الإنسان لنكتُب ؟ ماذا نكتُب و كلماتنا يحرقها الإهمال ؟ كيف نكتبُ و قد جفَّت أحلامنا .. و حتى آلامنا ..

عَبَس ..

ابتسمت نصف ابتسامة بمُلتقى شفتيّ .. تابعتُ : كيف يكتُب من كُلّ يومٍ يزداد صدره ضيقا ، و الكونُ يكاد ينسحق في قلبه ؟

أمسك الأنامل الوليدة ، كاد يخنقها .. زلزلها .. قال بقسوة : اكتب ..

كُلّ ما تبقّى منّي تزلزل مع تلك الأنامل الرعناء .. و للحظة ، انساقت بقاياي وراء شهوتها للحياة ، لا يستلذّ إنسان الموت إن لم يختبر الحياة ..

 حاولت تحريك الأطراف الناشئةِ الراغبةِ جهلاً في تجربة الحياة ، لم أسيطر ع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في القلب وردة

كتبها د. عمر عصفور ، في 10 تموز 2007 الساعة: 04:40 ص

     الأفق أملٌ يبكي ، وجنته تغرق في دموع ، عينُه كسيرة ، تلُفُّها تجاعيدُ سُحُبٍ هشّة ، يخفض حاجبه ، بيأسٍ يغمض عينه ، يبحث لها عن مخبأ يحجبها عن عيون الحالمين .. لِمَ يُخفي الأملُ نصف وجهه ؟ لماذا يبكي الأمل ؟
  
    أمّا هو فهناك وقَف ، عيناه تعبران المدى ، تُعانقان الأفق ، تمسحان دمعه بهمسهما .. أيُّهما يحيا بالآخر ، الأمل أم الإنسان ؟ الأفقُ يغرق في عينيه ، الأنسام تداعب رمشيه ، الأرض تتسلّق قدميه ، وردةٌ تنغرسُ في قلبه ، التفتتْ إليه ، ذبذب شفتيه ، سُمِع صوت :  
   - كُنتُ طفلاً .. و كانت العيونُ أنقى ..
  
    لا تتكلمُ الورود ، لكنّها حين تطعنُ القلب تؤلم .. الفعلُ أصدقُ دوماً من الكلمات .. تابع و الأفق مُمدّدٌ في عينيه :
   - كُنتُ طفلا .. و كانت القلوب و الأرض و السماء أرحب ..
  
     للشمس دماء ، حمراء كما الإنسان .. الشمس تنزف كُلّ غروب ، و لا أحد يُسعفها ، أو ينتظر موتها فيدفنها .. من يقتل الشمس كُلّ يوم ؟ هل للشمس دموعٌ كما الإنسان ؟ لا زال يقف مكانه ، يضمّ الأفق.. وردةٌ تجرح قلبه ، فيتدفق الحنين .. هَمَس :
     - أتُصدّقين ؟ كِدتُ أنسى ، لا بل نسيتُ .. نسيتُ أنّي كُنت ذاك الطفل يوما ما ، كيف يكون الطفل إنسانا ! هل من متشابهات بينهما ؟
  
    الذاكرة ليست صُوَرا أو كلمات فقط ، بل هي الإحساسُ يبقى ف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb




التالي